دار طلاس للدراسات والنشر · الطبعة الأولى ١٩٩١م
كتبه الباحث عبد الرحمن أيوب من مواليد الرستن ١٩٣٦م، حاصل على الإجازة في الآداب — قسم التاريخ، وعضو الجمعية التاريخية في حمص. صدر الكتاب عن دار طلاس بدمشق سنة ١٩٩١م، وفيه قدّم بشير زهدي (أمين المتحف الوطني بدمشق آنذاك) مدخلاً ضافياً نقتطف منه ومن متن الكتاب الفقرات التالية.
«إلى التي أراها شاخصةً بأبصارها، مُرهفةً بأسماعها، أُحسّ بدبيب قلبها، تستحثّ ابنها وقلمه ليتكلّم عن جلالتها وعظمتها، أُسوةً بشقيقاتها الأخريات، لم يكتب أحدٌ عنها ما يشفي الغليل، فإليها أُهدي هذا الجهد المتواضع.»
«تعتبر مدينة الرَّسْتَن من مدن القطر العربي السوري التي شهدت أحداث التاريخ منذ تأسيسها وتطورها في عهود قدماء العرب الأموريين والكنعانيين والآراميين والتدمريين والغساسنة والمسلمين، لما لهذه المدينة من موقعٍ جغرافيٍّ متميّز وتربةٍ حمراء وأرضٍ خصبةٍ جعلت أبناءها يتعلّقون بأرضهم وينصرفون إلى العمل فيها بجدّيةٍ ورغبةٍ ومحبّة.»
«وبعد الغزو المقدوني حرص السلوقيّون على طبع سورية بالطابع اليوناني وذلك بتغيير الأسماء الجغرافية المحلية بأسماء يونانية، ممّا جعلهم يُطلقون على هذه المدينة الجميلة اسم أريثوزا، التي كانت ربّةَ مياهٍ تحدّثت عن قصّتها الأسطورية... وعندما استولى السلوقيّون على سورية وقسّموها إدارياً إلى مقاطعات، جعلوا سوريّة الثانية مركزها أفاميا، وتتبعها مدن الرَّسْتَن وحماة وشيزر.»
«تابوتٌ رخاميٌّ ضخمٌ جميلٌ للحاكم المحلّي وزوجته، يُزيّن أحد وجوهه مشهدُ معركة طروادة الشهيرة بأسلوبٍ فنيٍّ يدلّ على قمّة ما وصل إليه فنّ النحت عصرئذٍ. وتابوتٌ رخاميٌّ أبيض جميل يُزيّن أحد وجوهه أسطورة الربّة ديانا والشاب ميليآغِر والوحش البريّ الذي أرسلته الربّة.»
«جزءٌ من لوحة فسيفساءٍ كاملة اكتُشفت في الرَّسْتَن: تمثّل نهر العاصي يتهادى على مياهه قاربٌ صغيرُ الحجم، يضمّ أربعةً من الأطفال المُجنّحة تمثّل إله الحبّ كيوبيد، ورجلَين يعملان، بينما جسرٌ خشبيّ وفوق جانبَيها مباني المدينة.»
«آثار شارعٍ مستقيم عريض مرصوف يُشبه الشوارع المستقيمة في مدن دمشق وتدمر وأفاميا، وإنّ قواعد أعمدته الضخمة كانت ما زالت ماثلةً للعيان وتمتدّ مسافة ٣٠٠م، ثم تختفي بين الدور السكنية... وإنّ المرء حيثما اتّجه يرى بقايا أعمدةٍ أحدها من الغرانيت، وهناك أُسس الجدران، وعتبات المباني، ومختلف الأحجار المنحوتة المهشّمة.»
«وكان أمام الخان جسرُ الرستن الذي يُنسب ترميمُه أو تجديد بنائه إلى سنان باشا في رأي البعض. وكان هذا الجسر يمتدّ من الغرب إلى الشرق مسافة ١٤٠م، وعرضه ٤.٥م، وكان عدد قناطره اثنتَي عشرة قنطرة. وإلى جانب الجسر فتحاتُ سَكْوير تتدفّق مياه العاصي فوقها، وقد جُعلت لحصر جانبٍ من تلك المياه وسيلانها إلى طاحونةٍ قريبة.»
«تجدر الإشارة إلى مبانيها الحجرية الجميلة القائمة فوق الجبل، والمُشرفة على نهر العاصي في أجمل مظهرٍ للطبيعة الجميلة، تتمتّع العيون برؤيته، فيُثير في النفوس الغبطة والسرور والانشراح. وإنّ الملابس المحلية الزاهية الجميلة التي تتدثّر بها نساء الرَّسْتَن في ذهابهنّ وعودتهنّ تدلّ على ذوقهنّ الفنيّ وحسّهنّ الجماليّ.»
«هدفي هو إظهارُ وكشفُ تاريخ هذه البلدة في الماضي والحاضر، ووثيقةٌ لجيل المستقبل... وخاصّةً أنّ هذه البلدة أصبحت أعظم عضلةٍ في الاقتصاد السوري الحديث، وشاهدٌ على ذلك النموّ الواضح في كافّة مجالات الزراعة. كما أنّ هذه الدراسة المتواضعة عن البلدة، صيحةٌ ودعوةٌ إلى مديرية الآثار والمتاحف لأن تقوم بعملية سَبْرٍ شاملةٍ لمدينة الرَّسْتَن الأثرية، الغافية على زندِ العاصي.»